آخر الأخبار :

احترام الحقوق في إسرائيل/فلسطين أهم من إعلان دولة واحدة أو دولتين

قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه لن يصر على إعلان دولتين كحلٍ للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. أدى إعلانه إلى خضة في الأوساط الدبلوماسية في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأوسط. قد تكون هذه الخضة ما يحتاج إليه الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

طوال عقود، هوس الحكومة الأمريكية بإعلان دولتين أمَّن غطاء لعدم معالجتها الانتهاكات الحقوقية الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة. وقد أثرت هذه الانتهاكات سلبا على النمو الاقتصادي وكرامة واستقلال 5 ملايين شخص يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي.

منذ انهيار اتفاقية أوسلو واندلاع الانتفاضة الثانية ضد إسرائيل العام 2000، اعتبرت حكومات أمريكية متتالية إعلان دولتين إسرائيلية وفلسطينية منفصلتين حجر الأساس في سياساتها في الشرق الأوسط. العام 2003، أعلنت حكومة جورج و. بوش عن خطة للتوصل إلى إعلان دولتين خلال سنتين. العام 2013، قرر وزير الخارجية جون كيري أنه يحتاج إلى سنة فقط للتوصل إلى إتفاق سلام. في هذه الأثناء، قضى الوسطاء الأمريكيون آلاف الساعات بالسفر محاولين إعادة إحياء المفاوضات المباشرة، رغم الفجوات الواضحة في مواقف الطرفين وميزان القوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

يبدو أن الإصرار على إعلان الدولتين أعمى المفاوضين الأمريكيين عن التطور الأليم للأحداث على الأرض. فقد مانعت الحكومات الأمريكية بناء المستوطنات ووصفتها كـ "عائق للسلام" لأنها تتعارض مع هدف فصل الإسرائيليين عن الفلسطينيين. ليس لأن القانون الإنساني الدولي يعتبرها جريمة حرب. ليس لأن وجودها، والرغبة بالدفاع عنها وتوسيعها، يلحق الخراب بحياة الفلسطينيين. فللدفاع عن مستوطناتهم، يمنع الجيش الإسرائيلي التنقل والسفر بين المدن الفلسطينية، ويدمر المنازل والمتاجر الفلسطينية المجاورة، ويمنع الوصول إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية المهمة. ولا توزِع السلطات الإسرائيلية بالتساوي الموارد الطبيعية المُستخرجة من الأراضي الفلسطينية، مثل الماء والأحجار والرخام ذات القيمة العالية التي تعود ملكيتها إلى الفلسطينيين.

ورغم هذا الواقع، تعارض الولايات المتحدة باستمرار الإجراءت الدولية، من ضمنها إجراءات "المحكمة الجنائية الدولية"، لمحاسبة الانتهاكات الناشئة عن المستوطنات. وتفسر الولايات المتحدة تصرفها بأن محاولات الفلسطينيين "الأحادية الطرف" لتحقيق العدالة قد تضاربت مع المفاوضات، حقيقية كانت أم خيالية. فالمفاوضون الإسرائيليّون أكدوا للولايات المتحدة أن ثلثي المستوطنين الإسرائليين يعيشون في كتل استيطانية يمكن ضمها بسهولة إلى إسرائيل، محافظين على إمكانية التوصل إلى إعلان دولتين منفصلتين.

ممارسات الديبلوماسية الأمريكية كانت هي المسيطرة، فلم تشجع ديبلوماسيّي الاتحاد الأوروبي على محاسبة الإنتهاكات المُرتكبة بموجب القانون الدولي، كما حجبت الجهود لمعالجة الانتهاكات على الأرض. رضخ الديبلوماسيون الأوروبيون للقيادة الأمريكية بعد أن كانت سياسيتهم الخارجية تعتمد أيضا على المفاوضات المباشرة لإعلان دولتين منفصلتين.

بالفعل، منذ أن تبنى الرئيس بيل كلينتون حل إعلان دولتين رسميا العام 2001، تضاعف عدد المستوطنين تقريبا إلى 560 ألف شخص. طبق الإسرائيليّون قيود قاسية وصارمة أكثر فأكثر على تحركات الفلسطنيين والنمو الإقتصادي. وفق "البنك الدولي"، أدّت القيود المفروضة على الفلسطنيين في القطاع ج وحده إلى خسارة الاقتصاد الفلسطيني 3،4 مليون دولار أمريكي سنويا، ما يعادل ثلث إجمالي الناتج المحلي. ويمثل القطاع ج 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية بما فيها المستوطنات الإسرائيلية. غزة مُغلقة منذ 10 سنوات و54 بالمئة من سكانها هم من الأطفال والمراهقين. يقيّد هذا الإغلاق نمو إقتصاد الضفة الغربية ويخنقه أكثر ويفسد الفرص أمام سكانها.

لا يجب التوهم بأن الحكومة الأمريكية الجديدة ستولي حقوق الفلسطينيين الإنسانية اهتماما أكبر من سابقاتها. فسجل ترامب بالدفاع عن حقوق الإنسان ضعيف. ومنذ تولى مهامه لم تتغير أفعاله كثيرا مقارنة مع حملته الانتخابية التي تميّزت بكره المرأة والتمييز العنصري وكره الأجانب. اختياره للسفير إلى إسرائيل وموفده إلى الشرق الأوسط، اللذين يؤيدان إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية، لا يبشر بإطلاق مبادرة تعتمد على احترام الحقوق. وقد أحدث ترامب الأسبوع الماضي شقا بين السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والعديد من البلدان الأوروبية والعربية. سيفتح هذا الشق مجالا لإطلاق مبادرات جديدة من الديبلوماسيين والمجتمع المدني، في أوروبا والشرق الأوسط، تسلط الضوء على ما يحصل على الأرض بدلا من الاعتماد على "عملية سلام" تغاضت عن هذه التطورات.

لطالما كانت القيادة الأمريكية، منذ 2001، متشبثة ومنفردة برأيها حيال الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وغير فعالة بإحقاق السلام أو حماية حقوق الناس. حان وقت إطلاق مقاربة غير مركزية بهدف حماية الروابط الإقتصادية والاجتماعية والمؤسساستية والعائلية الموجودة في فلسطين التاريخية أو أرض إسرائيل المذكورة في التوراة. على أن تعترف المقاربة بالحاجة إلى حرية التنقل من خلال وضع قوانين دولية لمعاقبة ارتكاب الجرائم الخطيرة، ممارسة ضغوط اقتصادية على الشركات التي تساند المستوطنات، وإطلاق مبادرات ديبلوماسية تعترف بالحاجة إلى حرية الحركة.

في الواقع، يعيش حوالي 6،5 مليون يهودي مع 6،5 مليون فلسطيني بين نهر الأردن والبحر المتوسط. لكن الفلسطينيين في الأراضي المحتلة تتدهور ظروف معيشتهم في ظل الاحتلال والقمع وعدم المساواة. كما يعاني الطرفان من الصدمات النفسية وعدم الأمان. كلا الحلان بإعلان دولة واحدة أو دولتين مستقلتين قد يتوافقان مع احترام حقوقهم. بغض النظر عن كم دولة سَتنُتج، على التدخلات الديبلوماسية التي قد تطلقها الولايات المتحدة أو غيرها ممن قد يسد الفجوة في القيادة، أن تركز على تأمين الكرامة والعدالة واحترام حقوق الإنسان للمستفيدين من أي مبادرة سلام.